اسماعيل بن محمد القونوي
292
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وجعل الماءات مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل ويخل بنظم قوله : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 8 ] ) وجعل الماءات مصدرية للاحتراز عن إطلاق ما الموصولة عليه تعالى للغفلة عما ذكر من إرادة معنى الوصفية ليس بحسن أما أولا فلأنه يقتضي تجرد الفعل أي فألهمها عن الفاعل لأنه حينئذ لا يكون المذكور إلا السماء والأرض والنفس وما يتعلق بها من المعاني المصدرية وهي البناء والطحو والتسوية ولا ريب في أن شيئا منها لا يصلح لكونه مرجعا للمستتر في فَأَلْهَمَها [ الشمس : 8 ] والظاهر أن المراد الأفعال السابقة فألهمها لا ألهمها وحده وإن كان كافيا في بيان المحذور ولذا اكتفى به بعض أرباب حواشي الكشاف ولعل وجهه الإشارة إلى أن المحذورين في فَأَلْهَمَها [ الشمس : 8 ] قوله يجرد الفعل الخ بصيغة الافراد دون الجمع يؤيده وأما ثانيا فلأنها تخل بنظم قوله الخ وجه الخلل لما فيه من عطف الفعل على الاسم إذ الفعل المأول بالمصدر اسم وقد مر تفصيله في قوله تعالى : أَ أَنْذَرْتَهُمْ [ البقرة : 6 ] « 1 » الخ ومع ذلك لا بد من فاعل وهنا على ذلك التقدير لا فاعل له في وقت من الأوقات إلا وقت أن يضمر فيها أي في ألهمها والتأنيث بتأويل الكلمة أو في الأفعال المذكورة . قوله تعالى : [ سورة الشمس ( 91 ) : آية 8 ] فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قوله : ( بقوله : وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] إلا أن يضمر فيها اسم اللّه تعالى للعلم به ) قوله : وجعل الماآت مصدرية تجرد الفعل عن الفاعل ويخل بنظم قوله تعالى : فَأَلْهَمَها فُجُورَها [ الشمس : 8 ] بقوله : وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] وذلك أن ضمير الفاعل في قوله : فَأَلْهَمَها [ الشمس : 8 ] راجع إلى اللّه تعالى والفاء فيه للترتيب فلا يجوز ونفس وتسويتها فألهمها اللّه قال الزجاج والقاضي عبد الجبار والفراء ما بمعنى المصدر وقال الإمام أورد القاضي عبد الجبار هذا القول وأبى إلا أن يكون مصدرا لما لم يلزم منه تقديم الاقسام لغير اللّه على اقسامه بنفسه عز وجل وأجاب الإمام عنه بأن أعظم المحسوسات الشمس فذكرها اللّه تعالى مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمها ثم ذكر ذاته المقدسة ووصفها بصفات ثلاث ليتخطى العقل بادراك جلال اللّه وعظمته كما يليق به والحس لا ينازعه فكان ذلك طريقا إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات إلى بيداء كبريائه وقال الراغب تسوية الشيء جعله سواء إما في الرفعة أو الصفة نحو قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ [ الانفطار : 7 ] أي جعل خلقتك على ما اقتضته الحكمة وقوله : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] فإشارة إلى القوى التي جعلها مقويه للنفس فنسب الفعل إليها لأن الفعل كما يصح أن ينسب إلى الفاعل ينسب إلى الآلة نحو سيف قاطع وهذا أولى من قوله من قال أراد وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] يعني اللّه لأن ما لا يعبر به عن اللّه إذ هو موضوع للجنس ولم يسمع أنه يصح وقال الإمام تسويتها تعديل أعضائها على ما يشهد به علم التشريح وإعطاؤها القوة السامعة والباصرة والمخيلة والمفكرة والمذكرة على ما يشهد به علم النفس ولهذه الدقيقة خص صاحب الكشاف تفسير ما في وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] بصفة الحكمة حيث قال ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها .
--> ( 1 ) وحاصله أنه ليس باسم لأنه ليس بموضوع له فلا خلل في العطف .